الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
310
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أي أعطيت وقال تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ الذاريات : 57 ] فعطف الإطعام على الرزق والعطف يقتضي المغايرة . والاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري ، وإذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل رزقا تعين بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام فقدره المفسرون : شكر رزقكم ، أو نحوه ، أي تجعلون شكر اللّه على رزقه إياكم أن تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة ، لأنهم عدلوا عن شكر اللّه تعالى فيما أنعم به عليهم فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام ، ونسبوا الزرع لأنفسهم ، وزعموا أن المطر تمطره النجوم المسماة بالأنواء فلذلك قال ابن عباس : نزلت في قولهم : مطرنا بنوء كذا ، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في خلق المطر ، فمعنى قول ابن عباس : نزلت في قولهم : مطرنا بنوء كذا ، أنه مراد من معنى الآية . قال ابن عطية : أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللّه رزقا : هذا بنوء كذا وكذا اه . أشار هذا إلى ما روي في « الموطأ » عن زيد بن خالد الجهني قال : صلّى لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء فلما انصرف النبي صلى اللّه عليه وسلم أقبل على الناس فقال : هل تدرون ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل اللّه ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم . ووقع في « صحيح مسلم » عن ابن عباس أنه قال : « مطر الناس على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال النبي أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة اللّه ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا . قال فنزلت : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [ الواقعة : 75 ] حتى بلغ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فزاد على ما في حديث زيد بن خالد قوله فنزلت : فَلا أُقْسِمُ إلخ . وزيادة الراوي مختلف في قبولها بدون شرط أو بشرط عدم اتحاد المجلس ، أو بشرط أن لا يكون ممن لا يغفل مثله عن مثل تلك الزيادة عادة وهي أقوال لأئمة الحديث وأصول الفقه ، وابن عباس لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فعل قوله : فنزلت تأويل منه ، لأنه أراد أن الناس مطروا في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولا وقال المشركون قولا فنزلت آية وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ تنديدا